Blog Archive

Tuesday, February 14, 2006

الدكتور علي الوردي


لم أكن , و أنا في مقتبل العمر في بداية الستينات حين كنتُ أدرس علم الإجتماع في جامعة بغداد , أتقبل بعض أفكار أستاذنا الدكتور على الوردي
نعم , كنتُ مثل زملائي الآخرين , أشــعر بهيبته أستاذنا و أنحترم علمه ولكننا كنا نظن , أو قل نوهم أنفســنا, بأننا أكثر أكثر تفاؤلاً منه و أكثرتقدمية . و لكن الأيام أثبتت إنه كان يمتلك ما لم نكن نمتلكه , أي الإمســاك بناصية النهج السوسيولوجي بكل ما فيه و ما يتطلبه من واقعية قد لا ترضي
.
.
من بين ما كنا نرفضه وقتها هو ما إعتبرناه "شتيمة" غير مقبولة يوجهها أستاذنا لمجتمعه : ألا وهي إطروحته , معقدة الحيثيات , حول دور إأنفصام شــخصية الفرد العراقي ( أو العربي في إستدراكٍ لاحق) في رسم مســار تطور المجتمع العراقي. ا
.
أستعيدُ ما أتذكره من كلام الوردي كلما فرأتُ مقالات تحتمل أمرأ و نقيضه في آن .ا
.
و من بين هذه ما قرأته اليوم في أخبار الخليج في عمودٍ يهاجم فيه كاتبه ظاهرةً هو نفســه من أبرز أمثلتها : المثقف البوق أو اليســاري الذي يطّبل لنظامٍ يستند من أجل إستمراره على " الممارسات المذهبية السياسية ورشوة العديد من المفكرين الديمقراطيين والكتاب لكي يتخلوا عن أفكارهم ويغضوا الطرف عن التلاعبات بالثروة العامة، مركزين نقدهم على ظواهر جزئية أو طارحين ليبرالية عرجاء !" ا
.
المثقف البوق الذي يطبل لنظامٍ يهدر موارد البلاد في " أوجه الصرف الباذخة لظواهر نفاقية ومهرجانات الكلام المدحي وتشكيل فرق من شعراء الكذب العام! ويجري تسمين كل منحرف عن خطه السياسي المعارض، ورفعه إلى ذروة السماء، ودفق المال العام في جانب ووقفه عن جوانب أخرى كثيرة."
.
.
.
يقول كاتب العمود الأستاذ عبدالله خليفة في عموده بعنوان "تقطيع الفئات الوسطى " في عدد اليوم من أخبار الخليج

بدلاً من أن تكون الفئات ونخبها الطليعية قائدة لمرحلة التحول إلى النظام الديمقراطي الحديث، يجري إعادتها إلى الوراء، يجري جعلها تابعة للنظام التقليدي، فتصبح أدوات له، في وقت يفقد هذا النظام مشروعيته ويدخل العرب في مأزق تاريخي! ا
.
.
فالأنظمة التقليدية التي تملك المال العام ترشي ممثلي الفئات الوسطى وتفسد فكرها الحديث، فتروح تتكيف مع جوانبه العتيقة وفكره السياسي المذهبي وأشكال محافظته . أو تحول هؤلاء الممثلين والمثقفين إلى أبواق في مختلف ميادين الإنتاج الفكري إليها لأنها لا تستطيع أن تنتج فكراً. وهذا إعادة لما جرى في العصور العربية الإقطاعية، حين كان الحكام يحولون إلى ممثلي الفئات الوسطى من أطباء وشعراء وعلماء وغيرهم إلى أدوات للبلاط! ا
.
وقد بدأ انهيار الأنظمة الملكية العربية السابقة في العقود الأولى من القرن العشرين حين أصرت على أن تحكم بشكل مطلق، وتفصل بدلات سياسية دكتاتورية على مقاس أنظمتها الملكية(البرلمانية) و(الدستورية) فلم تجد الجماهير المقموعة عن الوصول إلى الأصوات الديمقراطية والليبرالية والتقدمية إلا الأشكال السياسية المذهبية تفرغ فيها احتجاجها، فكانت الأزمات وصعود القوى الشمولية وكانت الانقلابات. ا
.
وتقوم هذه الأنظمة نفسها بتوسيع الممارسات المذهبية السياسية ورشوة العديد من المفكرين الديمقراطيين والكتاب لكي
يتخلوا عن أفكارهم ويغضوا الطرف عن التلاعبات بالثروة العامة، مركزين نقدهم على ظواهر جزئية أو طارحين ليبرالية عرجاء ! ولهذا لا بد من وقف استنساخ التجربة نفسها في الأنظمة الملكية الجديدة، وإعادة عجلات التاريخ للوراء، ولهذا رأينا أوجه الصرف الباذخة لظواهر نفاقية ومهرجانات الكلام المدحي وتشكيل فرق من شعراء الكذب العام! ويجري تسمين كل منحرف عن خطه السياسي المعارض، ورفعه إلى ذروة السماء، ودفق المال العام في جانب ووقفه عن جوانب أخرى كثيرة. ا
.
ويجري الأمر نفسه لدى الجماعات المذهبية السياسية والشمولية المختلفة، فكل من أيد مواقف دول بعينها يتم تلميعه
وإظهاره في الساحات الوطنية الخاصة، وعليه أن يسكت عن جملة كبيرة من ممارسات هذه الدول القامعة للحريات، وهو في بلده يطالب بأقصى تجليات الحرية! فتجد على سبيل المثال أن الفضائيات مختصة بأسماء دون غيرها، وهذه الأسماء تعزف أنغاماً مدفوعا ثمنها. والحصيلة أن الأنظمة الوطنية والدينية أو الأنظمة الملكية تتقارب في سياسة واحدة هي رشوة الفكر الحر، وحرفه عن استقلاله، وبالتالي تأجير المنظمات السياسية كما تستأجر فرق الطبالين ومتعهدي الأعراس! ا
.
رحمك الله يا د. علي الوردي
.

2 comments:

Ali Abdulemam said...

أستاذنا الفاضل
بعيدا عن المقال الموسوم، ولكن ما استفزني في مقالك هو ذكر الدكتور علي الوردي، والذي أعتبر أن له الفضل كثيرا علي وعلى طريقة تفكيري، فمنذ قرأت له وأنا في بدايات سن المراهقة، ورأيت فعلا كيف أثر طريقة تفكيره تتغلغل فيّ إلى أن غيرتني وأصبحت مثلها بل واقع في شراكها

بل أعتقد أني أفسر بعض طرقه في نقده المجتمع وأطبقها على مجتمعنا، لازلت أعتقد أن حتى النظرية التي ذكرتها بخصوص المتناقضات والتي حاول من خلالها تفسير المجتمع العراقي، هي نظرية نستطيع تطبيقها على مجتمعنا، فمجتمعنا يحمل الكثير من المتناقضات التي يستطيع أن يعيش فيها وهو مقتنع بها، ومقتنع أنه لا يعيش التناقض أبدا

نتمنى لو قرأنا لك مقالات يا دكتورنا الفاضل في نقد المجتمع فمجتمعنا فعلا يفتقد إلى مثل هذه المقالات

Abdulhadi Khalaf said...

لك مني جزيل الشــكر على
مشـــاعرك , و بالأخص على حســـن ظنك بي

و يسعدني أن أعرف إنك تعرف الوردي , إنه ترك في ذهنك إنطباعاً يشــابه الذي تركه في ذهني ... رحمه الله


نعم. ثمة حاجة إلى ما تسـميه "مقالات في نقد المجتمع" فما لدينا من دراسـات لا يرتقي إلى ما هو مطلوب. و هذه الحاجة , أو الوعي بها , هي موضوع دائم فيما أتداخل فيه من نقاشات مع زملاء و زميلات في جمعية الإجتماعيين البحرينية, كلما إلتقينا, أو مع إخوة و أخوات في مجالات أخرى


عســانا نصل خيراً


أما في فيما يتعلق بي شـــخصياً فإني أؤثر أن أُبْقي على تركيزي المســتمر منذ مدة حول
الدولة
بإعتبارها فاعلاً إجتماعياً يلعب دوراً مقرراً في تشـــكيل و إعادة تشـــكيل الحيّز الإجتماعي و شــروط التفاعل فيه

و لعلك تجد , كما إنتقدني آخرون و هم محقون في ذلك , إنني و في ضوء بعض ماهو منشــور من كتابات و محاضرات أو مداخلات أمارسُ تركيزاً "غير مقبول" على دور الدولة , و بخاصة ما أعتبره عنصرها المحوري , أي العائلة الخليفية , و لا ألتفت كما يجب إلى الدور الذي يلعبه الفاعلون الإجتماعون الآخرون (المؤسســـة الدينية بأطرافها الرســـمية و غير الرسمية , أو الســوق بأشــكالها , أو الثقافة ة التراث و ســـدنتهما إلخ إلخ ) في عمليات تشـــكيل و إعادة تشـــكيل الحيّز الإجتماعي و شــروط التفاعل فيه

هذا التركيز ستلاحظه مســـتمراً في كتاب قمتُ مع زميل إيطالي بتحريره و سيصدر في مارس أو أبريل في طبعتيْن إنجليزية و عربية

لديّ حججي , التي تقنعني بطبيعة الحال, و التي أفســر فيها هذا التركيز , و لكن هذه الحجج لا تكفي لتبرير الخلل و عدم التوازن في تحليلي لصورة الوضع في البحرين

ســـأحاول في المستقبل أن أصحح عدم التوازن هذا عن طريق التعاون مع آخرين مم يحملون الهم نفســـه


شـــكراً مرةً أخرى على حسن ظنك