Blog Archive

Friday, September 30, 2005

البضاعة هيَ نفسها - من موسكو إلى المنامة



في مثل هذه الأيام , تقريباً , قبل ثلاثين سنة عندما كنتُ في بيروت طلب مني الرفيق طالب أن أســـاعده في تدقيق مســودات وثائق المؤتمر الاول للحزب الشــيوعي في السـعودية التي جاءت للتو من المطبعة. و كان الرفيق طالب , و لأســباب عديدة , قد تولى متابعة تلك الوثائق بعد أن غادر كاتبوها بيروت إثر إندلاع الحرب الأهلية في ربيع 1975.

و تضمنت الوثائق اتي صدرت فيما بعد في صورة كتاب من 208 صفحات تحت عنوان "وثائق من الســعودية" تقريراً سياسياً من تسـعين صفحة و مشــروع برنامج من ست وستين صفحة و نظام داخلي من عشرين صفحة . أما بقية الصفحات فقد تضمنت بعض ما تمخض عنه المؤتمر من قرارات عـلاوة على التحايا التي و صلت للمؤتمرين من أربعة أحزاب عربية من بينها , بطبيعة الحال, جبهة التحرير الوطني البحرانية ( كما كان إسمها فيها ذلك الوقت).

رغم القصف المتقطع و رغم إنقطاع الكهرباء في أغلب ساعات اليوم إلا إننا , الرفيق طالب وأنا , قمنا بواجبنا على خير ما نستطيع مما أمكن الرفيق طالب من إعطاء المســـودات المصّححة و المـدّقـقـة إلى المطبعة قبل إضطرارنا نحن أيضاً إلى مغادرة بيروت إثر إشتداد القصف تمهيدا لدخول الجيش الســـوري إلى الأراضي اللبنانية.

لم تكن أسباب إهتمامنا بتصحيح مســودات وثائق المؤتمر الاول للحزب الشيوعي في السعودية وتدقيقها محصورة في إلتزام الرفيق طالب , لأســـبابه الخاصة, بالمهمة بل , و أيضاً, لأن تلك المسودات وفرت مواضيع تســــلية لنا , الإثنيْن. و لا يمكنني إلى الآن أن أتخيّل أحداً في بيروت كلها كان يضحك تحت القصف العشــوائي مثلما كنا نضحك و نحن نقرأ بعض فقرات ذلك النص العجيب أو نتناقش في بعض عباراته و بخاصة عبارات العشــق المتراوح بين الشـَـبَقي و الماســوخي و الصُوفي التي تبرز كلما جاء ذكر الإتحاد السوفياتي أو الحزب الشيوعي السوفياتي .

بعض هذا العشـــق بأنواعه الثلاثة المشار إليها يتضح فيما يلي من إقتطافٍ من الكتاب المذكور الذي أضعه كما هو دون إقتطاع أو تدخل: إي بجميع أخطائه الطباعية و تنقيطاته الأصلية.

هنا يبداً الإقتطاف:

هناك البعض ممن يقول إننا أصدقاء أوفياء و رفاق للاتحاد السوفياتي و حزب لينين العظيم..الخ ... و لكن أليس لنا الحق أن ننتقد الاتحاد السوفياتي..؟ أليس لنا الحق أن نصيغ سياسة حزبنا بأنفسنا..؟ أليس لنا الحق أن نأخذ استقلاليتنا..؟ ألسنا أدرى من أي كائن من كان بظروف بلادنا..؟ أليس الحزب الشيوعي السوفياتي يخطئ كغيره..؟ و نحن سنجيب على جميع هذه التساؤلات باختصار.

أولاً: إننا نعتقد أن مجرد التلويح بمثل هذه التساؤلات لا يمت الى الأممية البروليتارية بشئ.. وهو يتعارض مع كون الحزب الشيوعي السوفياتي الطليعة المجربة و المحنكة للحركة الشيوعية العالمية.. ان حرية النقد والنقد الذاتي هي من صلب المبادئ الماركسية اللينينية.. ولكن حرية النقد هي متى و كيف ولأي هدف و تحت أي شعار و من أي منطلق؟ و ليس بالمفهوم الليبرالي الواسع.

ثانياً: ان صياغة سياسة الحزب هي حق مشروع لأي حزب يضطلع به وفقاً لظروف بلده الموضوعية , غير ان هذا لا يعني ان هذا الحزب يمكن ان يرى "وفقاً لظروفه الموضوعية"_ بأن دكتاتورية البروليتاريا و الصراع الطبقي لا تلائم ظروف بلده..الخ. أي تغيير مبادئ الماركسية و الأممية البروليتارية وفقاً للطقس و المناخ الجغرافي.

ثالثاً: ان استقلالية الحزب لا تعني انه مستقل عن الحركة الشيوعية العالمية و يمكن ان يعمل وفقاً لاأي منظار يراه.. فالاستقلالية و الأممية هما مرتبطان وغير منفصلان و لا متناقضان يوحدهما واجب الانضباط الاممي البروليتاري.. و الأستقلالية أيضاً تعني الاعتراف بالدور العظيم المميز الذي يقوم به الحزب الشيوعي السوفياتي طليعة الحركة الشيوعية العالمية .. هكذا نفهم (استقلالية الاحزاب الشيوعية) .

رابعاً: صحيح ان كل حزب أدرى بظروف بلده هذا بشكل عام غير ان هناك احزاب بكاملها لم تدرك ظروف بلدها و ارتكبت حماقات أدت الى أعمال مأساوية ألحقت الأضرار و سببت الاحراجات الكثيرة داخل بلدها و خارجها. ان المبالغة في السمات الخاصة للظروف الموضوعية و القومية و الذاتية و الاعتداد الأجوف بالخبرة النضالية و السياسية و الايديولوجية, و ازدراء تجربة الحزب الشيوعي السوفياتي جميعها امور عواقبها وخيمة , و آلامها جسيمة , و هي غريبة عن الماركسية اللينينية و الأممية البروليتارية .

خامساً: ان الحزب الشيوعي السوفياتي كأي حزب يمكن أن يخطئ ولكن الحزب الشيوعي السوفياتي ليس كأي حزب من حيث التجربة النضالية الثورية المتكدسة لديه , و هو أول من خاض تجربة بناء الاشتراكية و الشيوعية , و هو يقود دولة عظيمة لها امكانياتها الهائلة.. بل هو طليعة الحركة الشيوعية العالمية ان مثل هذا الحزب يمكن ان يخطئ غير ان الخطأ الذي يقع فيه هو بالضرورة ليس بتلك الجسامة التي يمكن ان يقع فيها حزب شيوعي آخر لا يملك من الخبر و التجاب الثورية التي هي لدى الاتحاد السوفياتي و إذا وقع الحزب الشيوعي السوفياتي في خطأ فانه من أكثر الأحزاب إمكانية و عبقرية في أن يعدل عن خطأه بسرعة وجرأة.. و بهذا فكم هو صائب قولنا بأننا مع الاتحاد السوفياتي في السراء و الضراء و في جميع الحالات.


هنا ينتهى الإقتطاف

المصدر: وثائق من الســـعودية – وثائق المؤتمر الاول للحزب الشــيوعي في السعودية (دون ناشــر) 1975 , الصفحات 32-34 . ا

بعد أشـــهر عدة , قضيتُ ثلاثة منها عام 1976 معتقلاً لدى ســفاح البحريْن هندرســون عادت بنا الأدراج إلى بيروت : بيروت التي هي خيمتنا و نجمتنا , على حد قول الشــاعر محمود درويش. و هناك أخبرني الرفيق طالب بأن الشيوعيين السعوديين يعكفون على كتابة وثائق مؤتمرهم الأول من جديد و لهذا فهم يطلبون مساعدتهم في إعدام جميع النسخ المخزونة لدينا في بيتنا البيروتي من كتابهم "وثائق من الســعودية" الذي أجهدنا أنفسنا في تدقيقه. و هكذا كان. ســوى إنني , و بسبب حســـاسيتي تجاه إعدام الكتب, إحتفظتُ ببعض النســـخ أعطيتُ واحدة منها إلى زميلي في العمل وقتها الدكتور غســان سلامة نظراً لإهتمامه المعروف بأوضاع المملكة السعودية.

بعد فترة عرفنا إن سبب سحب كتاب "وثائق من الســعودية" من التداول هو كثرة الإنتقادات التي تلقاها الشيوعيون السعوديون من كثيرين نظراً للتطرف اليســـاري الذي صبغ برنامجهم الأول و إنعكس في إطروحاتهم حول الوضع الداخلي في السعودية و الأوضاع الإقليمية و الدولية . أما أصعب شــئ فكان إن الأنتقادات التي سمعنا عن وصولها من المســـئولين الحزيين في الإتحاد السوفياتي الذين إعتبروا بعض توجهات الرفاق السعوديين غير واقعية و شـــديدة التطرف و لا تأخذ بعين الإعتبار ضعف إمكانيات الحزب الشيوعي السعودي البشـــرية و الثقافية.

للحق أقول إن كثيرين ممن أعرف من المناضلين في البحرين و الكويت , و غيرهما, كانوا قد نصحوا الرفاق السعوديين بضرورة التعقل و تحاشي ما هو متعارف على تسميته بمرض الطفولة اليســـارية . إلا الرد كثيراً ما يكون عن طريق إتهام البحرينيين بـ "الإصلاحية" , و ما أدراك ما معنى هذه التهمة في لغة تلك الأيام قبل أن تأتي ماما أمريكا بأنعامها لتقلب بعض المتطرفين اليســاريين إلى ليبراليين جُدُدْ.

و للحق أيضاً أقول إن بعض الرفاق السعوديين كان يتفهم تلك الملاحظات بل و ربما كانوا على إستعداد لتخفيف حدة التطرف اليســاري في ممارسات حزبهم علاوة على وثائقه. إلا إن الإصرار على ضرورة إلتزام "الطاعة الحزبية الحديدية" (أنظر المادة 6 في النظام الداخلي للحزب) علاوة على ســطوة القيادة و الخوف من نزواتها كانت تمنع هؤلاء من إبداء الرأي. ( ولعل كثيرين منا ممن عايش تلك الفترة يذكرون كيف إن بعض هؤلاء , في خضم جلســات نقاش ودّية , كانوا ينفجرون بكاءً بسبب ما كانو يعانونه من عســف قيادتهم ).

و دارت الأيام و إنهار الإتحاد الســوفياتي بكل أخطائه و خطاياه , أو بسببهما. إلا إن ذلك الإنهيار لم يصبح لدى كثيرين سبباً لمراجعة المواقف و التعلم من الأخطاء. فلقد وجد بعض هؤلاء في تغيير إتجاه البوصلة مخرجاً من حالة اليُـتْـم

و لهذا نرى إن الشخص نفسه الذي أدان قبل ثلاثين ســــنة حتى مجرد التلويح بإنتقاد الاتحاد السوفياتي و إعتبر إن من الواجب تكبيل ممارســـة حرية التعبير و النقد بحواصر لا حد لها من قبيل تحديد متى و كيف ولأي هدف و تحت أي شعار و من أي منطلق. هذا الشـــخص نفســـه , بعد أن دارت الأيام , نراه قد نقل بضاعته نفســـها إلى البحرين و أصبح يدين كل من يتجرأ عل إنتقاد النظام و ممارسـاته المنافية لروح العصر ولإرادة الناس , بل نراه يكاد يطالب الناس بالتبرؤ من كل من لا يستخدم الألقاب الرسمية عند الحديث عن المســئولين في النظام.

فبل ثلاثين سنة أقرّ الطبالون بأن الحزب الشيوعي السوفياتي يمكن أن يخطئ ولكنهم أصّروا في نفس الوقت على أن لذلك الحزب من الإمكانيات و العبقرية ما تجعله يعدل عن خطأه بسرعة وجرأة. و لكننا نعرف جميعاً ما حدث للإتحاد السوفياتي.

فهل يصدق أحدٌ في النظام الحاكم في البحرين ما يســمعونه من تطبيل يعرفون إنه لم ينقذ الإتحاد السوفياتي ؟

عبدالهادي خلف

3 comments:

حسن الخزاعي said...

تذكير موفق بمواقف هؤلاء المتقلبين على الجبهات والثابتين على ارتزاقهم.

حبذا لو حكيت لنا أكثر عن تاريخ هذا الطارئ على الساحة البحرانية، نضالاته وكفاحه وكيف انقلب من تقدمي ثوري إلى مرتزق في صحيفة شبه حكومية لا همه له إلا مسح جوخ الحاكم.

تحياتي،
حسن الخزاعي

Abdulhadi Khalaf said...

هي حكايا كثيرة لا تُحكى بتفاصيلها لأن فيها بعض ما يتعلق بكثيرٍ من المخلصين ممن لم يسـترتزقوا من محاولاتهم الدفاع عن حقوق الناس

و الأمرُ , لا كما لا يخفى , مرتبطٌ
أيضاً بما يتوافر لدى المرء من وقت . كما إن لهؤلاء منابرٌ متعددة وحيشٌ من الأقلام بينما "الأطراف الأخرى" محصورةٌ و مُحاصَرة

إلا انني أقول كبعضِ أسلافنا : "إن عادوا عُدْنا" ففي الجعبة خير ......ا

لك التحية

aahat said...

إسحاق الشيخ رد على الدكتور عبدالهادي خلف في عموده في جريدة الأيام.. ولكنه عوضاً على الرد على ما أثاره الدكتور عبدالهادي في مقاله قام بالتعرض لشخص الدكتور وهذا يدل على ضعفه.
وهذا مقال اللاهث وراء المكرمات المثلثة:

http://pdf.alayam.com/Archive/PDF/October_2005/13-10-2005/Page10.pdf