Blog Archive

Tuesday, October 23, 2007

ذكاء الأفارقة وأمخاخ النساء

.

أعلن متحف العلوم في لندن إلغاء محاضرة كان من المقرر أن يلقيها في الأسبوع الماضي العالم الأميركي جيمس واتسون الذي حاز على جائزة نوبل في العام 1962 لدوره في اكتشاف تركيب الحمض النووي. ومن المعروف أن ذلك الاكتشاف الذي شاركه فيه زميله فرانسيس كْريك ساهم في تغيير مسار علوم الأحياء والعلوم الرديفة ووضعها على مشارف فتوحات جديدة تسارعت في السنوات الأخيرة وخصوصاً بعد اكتشاف شفرة الخارطة الجينية البشرية.ا
. .
يتفق كثيرون بأن العالم قد أصبح بعد اكتشاف تركيب الحامض النووي على مشارف ثورة علمية جديدة ليس في مجال إعادة اكتشاف الطبيعة بل وأيضاً بما توفره من إمكانات للإجابة على أسئلة بقيت حتى الآن في إطار ما وراء الطبيعة. إلا أنه في الوقت الذي أكدت فيه غالبية الجماعة العلمية على أهمية الثورة الجينية، فلقد حذر كثيرون مما تضيفه هذه الثورة إلى ترسانة ''السطوة البيولوجية'' (انظر طروحات ميشيل فوكو حول المعرفة/ السلطة) وبما تتيحه من إمكانات غير مسبوقة لمضاعفة قدرات النظام الرأسمالي إلى استغلال البشر والطبيعة[1].ا
.
أشارت وسائل الإعلام[2] إلى أن إلغاء المحاضرة جاء على خلفية تصريحات عنصرية أدلى بها البروفيسور واتسون وقال فيها ''إن السود أقل ذكاء من البيض'' وإنه ''يشعر بالتشاؤم والحزن في شأن مستقبل أفريقيا''، لأن ''كل سياساتنا الاجتماعية مبنية على حقيقة أن ذكاءهم (أي الأفارقة) مثل ذكائنا، بينما تفيد كل الاختبارات أن الأمر غير صحيح''. لقد ردَّ على ادعاءات واتسون علماء متميزون في نفس حقله[3]. ا
.
إلا أن الإشكالية لا تنتهي هنا. فمنذ أن انتصب الإنسان وابتدأت الحياة البشرية على وجه الأرض استند التمييز بين البشر على استغلال الاختلاف البيولوجي والفسيولوجي بينهم (رجل/ امرأة، أسود/ أبيض، قوي البنية/ ضعيف البنية.. الخ). ومنذ البدء أيضاً كان ثمة ''تفسير'' أيديولوجي يبرر التمييز ويضمن تسييد فئة على الفئات الأخرى ضمن تراتبية جندرية أو طبقية أو إثنية لا مفر منها إلا بإزالتها. ا
.
عبر التاريخ البشري راوَح ''التفسير'' الأيديولوجي ضمن إطار الإحالة إلى إرادة عليا لا يمكن ردها أو تحديها. وهذه قد تكون إرادة إلهية في صورة عصبة من الآلهة كما الحال عند قدامى اليونان أو إرادة الواحد الأحد لدى الأديان الإبراهيمية أو إرادة الطوطم لدى بعض القبائل الأفريقية على سبيل المثال. ا
.
وفي العصور الحديثة وبفضل التقدم العلمي تمت إضافة ''التفسير العلمي'' إلى حزمة التفسيرات التي تبرر التمييز بين البشر وتضمن قبول الناس بأوضاعهم. فَمَن لم يقتنع بأن الواقع هو إرادة ربّانية سيقتنع بأن هناك أسساً بيولوجية وفسيولوجية وجينية لهذا التمييز وعدم المساواة بين البشر.لا تختلف عنصرية واتسون عن عنصرية أمثاله لدينا.ا
.
ولعل أحد أقرب الأمثلة لواقعنا هو تلك التي ''تفسر'' التمييز ضد المرأة. فهذه تراوحت من الإحالة إلى نصوص دينية لا يمكن مناقشتها لقدسيتها إلى الإحالة إلى اكتشافات ''علمية'' جديدة لا يمكن تفنيدها. وفي كل الأحوال يتم تبرير التمييز بالإشارة إلى نقصان فطري في المرأة.من النصوص الدينية التي يتكرر الاستشهاد بها الحديث النبوي المشهور الذي فيه أن النساء هن أكثر أهل النار حيث إنهن يكثرن اللعْن ويكّفرن العشير. وفيه إن النساء ناقصات عقلٍ ودين. (لن أتوقف عند رأي ظريف لأحد الدعاة التلفزيونيين الذي يعتبر هذا الحديث، والله أعلم، مجرد مداعبة نبوية للنساء[4]. وسأكتفي بالإشارة إلى تأكيد ابن حزم الأندلسي على إلزام ''القائل بظاهر الحديث أن يكون أتم عقلاً وديناً من مريم وأم موسى وعائشة وفاطمة''.ا
.
حين لا تكفي النصوص الدينية أو حين تثار التساؤلات بشأن التفسيرات الذكورية لهذه النصوص ناهيك عما يُثار عن العقلية النصوصية برمتها، عندها يوفر ''العلم'' حزمة أخرى من مبررات التمييز ضد المرأة. فمن لم يقتنع بأن التمييز ضد المرأة يستند إلى إرادة ربانية سيقتنع بأن هناك أسساً بيولوجية وفسيولوجية وجينية لهذا التمييز وعدم المساواة. ولهذا صرنا نشهد نمواً ملحوظاً في ''الدراسات العلمية'' التي لا تحيلنا إلى النصوص الدينية أو إلى تفسيرات ذكورية لتلك النصوص بل تسعى لترويج الأفكار ذاتها بلغة علموية. ا
.
في هذه الدراسات يتم تأكيد النقصان الفطري في المرأة عبر حشد ''أدلة'' علمية على تفوق الرجل بيولوجيا وفسيولوجيا وذهنيا. فهي أنقص منه تكويناً وأقل جَلَداً وأضعف مقاومة بدءاً من هيكلها العظمي وحجم جمجمتها مروراً بعدد الكريات الحمر والبيض لديها مقارنة بما لدى الرجل[5]. أ
.
كما يستخدم واتسون هالة ''العلم'' لتبرير موقف أيديولوجي ولإدامة علاقات قوة قائمة على تراتبية عنصرية تضع الغرب في قمة الهرم يفعل المدافعون عن تراتبية جندرية تضع المرأة في أسفل الهرم.أ
في دراسة نشرتها اللجنة الإسلامية العالمية للمرأة والطفل التابعة للمجلس الإسلامي العالمي للدعوة والإغاثة الذي يرأسه شيخ الأزهر الشريف نقرأ أن الجهاز العصبي لدى المرأة يختلف عنه عند الرجل[6]. بل إن الباحثة تقول إذا ما قارنا ''اهم جزء فيه وهو المخ وجدناه اكبر في الرجل واثقل وزنا''. وتطرح بعد ذلك أرقاما بالجرامات تبين بها أن مخ المرأة أقل وزناً من مخ الرجل. ولا فرق بين الأعمار فالنساء يولدن ويكبرن ويمتن وهن يحملن أمخاخاً أقل وزنا من أمخاخ الرجال. ولا يتوقف عند وزن المخ وحجمه بل هي تشمل شكل المخ ''فالتعاريج والانخفاضات والارتفاعات التي على ســطح مخ الطفل متعددة وأكثر وضوحا مما هي عند الطفلة ويظهر هذا الاختلاف كذلك جليا في مخيْ الرجل والمرأة وعلى وجه عام فمخ المرأة ابســط في تركيبه من مخ الرجل''. ... فلا حول ولا قوة إلا بالله.
________
الهوامش:ا
1] انظر:
Dorothy Nelkin & Laurence Tancredi, Dangerous Diagnostics - The Social Power of Biological Information, University of Chicago Press 1994. Nikolas Rose, The Politics of Life Itself: Biomedicine، Power، and Subjectivity in the Twenty-First Century, Princeton University Press
[2]،[3]: راجع: Jeremy Laurance, The Controversy of intelligence theories?, The Independent، October 17, 2007
[4] انظر: تفريغ حلقة ''رفع الظلم عن المرأة'' في موقع عمرو خالد عبر هذا الرابط: http://www.amrkhaled.net/articles/articles380.html
[5] انظر ''فروق بين الرجل والمرأة''، مركز الشرق العربي للدراسات الاستراتيجية والحضارية.
]6]
هالة الجندي ''اثر الفوارق الخلقية في تقرير الحقوق والواجبات.
راجع الرابط
.
.____________________________________________
.

No comments: